علم النفس الإيجابي: كيف تبني عقلية سعيدة؟

علم النفس الإيجابي: كيف تبني عقلية سعيدة؟

في ظل الحياة اليومية المليئة بالضغوط التي يعيشها الإنسان، حيث أصبح البحث عن السعادة من الحاجات الأساسية والملحة، ولا تعتبر رفاهية في عصرنا هذا. وفي هذا الإطار، وبالتالي، يأتي دور “علم النفس الإيجابي”، الذي لا يكتفي بدراسة المشكلات والاضطرابات النفسية، بل على العكس، حيث يسلط الضوء أيضاً على ما يجعل الحياة أكثر قيمة ومتعة ورضا. وبالتالي، فإن سعي الإنسان لبناء عقلية سعيدة ليس أمراً عشوائياً، بل هو ممارسة واعية مبنية على أسس علمية. وعليه، في هذا المقال بعنوان علم النفس الإيجابي: كيف تبني عقلية سعيدة؟ سنسعى لتوضيح ماهية علم النفس الإيجابي وأهم معاييره.

أولاً: ما هو علم النفس الإيجابي؟

علم النفس الإيجابي هو أحد فروع علم النفس الحديث نسبياً، حيث يهتم بدراسة الجوانب المشرقة في شخصية الإنسان مثل نقاط القوة، والمشاعر الإيجابية، والقدرة على التكيف. وبناءً على ذلك، يعتمد هذا العلم على فكرة مفادها أن السعادة والرفاهية يمكن تعلمهما وتنميتهما عبر استراتيجيات محددة، تماماً كما نتعلم أي مهارة أخرى.

وفي هذا السياق، يعد مفهوم الرفاهية النفسية أحد أهم المفاهيم الأساسية في علم النفس الإيجابي. إذ يشير هذا المصطلح إلى الحالة التي يشعر فيها الفرد بالراحة والسعادة في حياته اليومية، حيث يعبر عن قدرة الشخص على التعامل مع التحديات والمشكلات بفاعلية. ومن ثم، يركز علم النفس الإيجابي على تعزيز هذه الرفاهية من خلال عدة استراتيجيات.

التفكير الإيجابي
يشعر الفرد بالراحة والسعادة

ثانياً: أهمية العقلية السعيدة

قبل كل شيء، إن السعي وراء امتلاك الأشخاص لعقلية سعيدة، ليس مجرد حالة شعورية عابرة بل على العكس، فالعقلية السعيدة تعد جانباً أساسياً ينعكس تأثيره على مختلف جوانب الحياة.

فمن جهة، يتمتع الأشخاص الذين يملكون عقلية إيجابية بقدرة أكبر على مواجهة الضغوط والتحديات اليومية دون أن يفقدوا توازنهم النفسي. ومن جهة أخرى تعزز هذه العقلية الصحة الجسدية من خلال تقليل مستويات التوتر والوقاية من الأمراض المرتبطة به.

أما على المستوى الاجتماعي، فإن العقلية السعيدة تساعد في بناء علاقات إنسانية أكثر دفئاً وتوازناً، ما يخلق شبكة دعم قوية. وفي المقابل وعلى الصعيد العملي، هذه العقلية تعزز الإنتاجية وتحفّز الإبداع، وتدفع الفرد إلى البحث عن حلول مبتكرة بدلاً من الاستسلام للمشكلات.

وباختصار يمكن القول إن العقلية السعيدة تمثل استثماراً ناجحاً وطويل الأمد في جودة الحياة. وهذا ما سنراه في مقالنا حول علم النفس الإيجابي: كيف تبني عقلية سعيدة؟

اقرأ المزيد: علم النفس الفيسيولوجي: كيف يعمل الدماغ أثناء التوتر؟

ثالثاً: 8 تمارين في علم النفس الإيجابي

إن الاستفادة من علم النفس الإيجابي، من خلال ممارسة أنشطة بسيطة وإجراء تغييرات سلوكية، يمكن أن تزيد بشكل كبير من شعورك بالرضا في حياتك الشخصية والمهنية.

وبناءً على ذلك، إليك بعض تمارين المساعدة الذاتية التي يمكنك البدء بها اليوم لتعزيز عقلية النمو.

أولاً. اكتشف نقاط قوتك الرئيسية مع اختبار VIA-IS

يعتقد علماء النفس الإيجابي أن استخدام نقاط قوتك وفضائلك الشخصية هو أحد السبل لعيش حياة ذات مغزى بدرجة أكبر. ومن هذا المنطلق، أظهرت نتائج بحث أجرته مؤسسة غالوب أن الموظفين الذين يستخدمون نقاط قوتهم يومياً، يميلون أكثر من غيرهم بثلاثة أضعاف لاعتبار جودة حياتهم ممتازة.

ولكي تبدأ هذه الرحلة، فإن الخطوة الأولى تتمثل في اكتشاف نقاط قوتك من خلال تقييم القوة الفعلية (VIA Inventory of Strengths (VIA-IS)). يساعدك هذا الاستبيان القائم على الأدلة على فهم سماتك الإيجابية وتحديدها. وبالتالي، فإن الهدف لا يقتصر على مجرد البقاء، بل يتجسد في مساعدتك على النجاح وتحقيق حياة أكثر إشباعاً وذات مغزى أكبر.

ثانياً. افهم ما الذي يجعلك في حالة تدفق

حالة التدفق هي عندما تنخرط في مهمة ممتعة جداً تستحوذ على كل انتباهك. وفي هذه الحالة، يصف الكثيرون فقدان الإحساس بالوقت والوعي الذاتي. وبالتالي، تحفّز هذه الحالة التركيز الكامل، وهو ما يساعدك على إنجاز المهام المُعقّدة بشكل أكثر كفاءة.

ومن ناحية علم النفس الإيجابي، يعدّ إيجاد التدفق مفهوماً أساسياً، حيث يمكن أن يؤدي إلى مستويات إنتاجية أعلى، والتشتت بدرجة أقل، ومستوى أقل من النقد الذاتي، وبالتالي، يساهم في تعزيز سعادتك ورضاك بشكل عام.

ثالثاً. مارس الامتنان يومياً

وجدت دراسة نشرت في مجلة دراسات السعادة أن حتى ممارسات الامتنان القصيرة المدى، يمكن أن تحسّن صحتك العامة.

علاوة على ذلك، أظهر تحليل تلوي نُشر في المجلة الدولية للاكتئاب والقلق أن الامتنان يرتبط بانخفاض مستويات الاكتئاب، ما يعزز أهمية إدراج هذه الممارسات في حياتنا اليومية.

وانطلاقاً من هذه النتائج، يمكنك ممارسة علم النفس الإيجابي من خلال الانخراط بانتظام في ممارسات الامتنان. على سبيل المثال، من الأنشطة التي يمكنك تجربتها: تدوين مذكرات الامتنان، وكتابة رسائل شكر أسبوعية لزملائك في العمل أو لأشخاص آخرين في حياتك، إضافة إلى ذلك، تخصيص وقت محدّد للتأمّل في النّعم التي لديك كل يوم.

رابعاً. غرس التعاطف مع الذات

تبني المزيد من الإيجابية يعني أيضاً تحسين نظرتك لنفسك. يمكن تحقيق ذلك من خلال أفعال حب الذات والتعاطف معها. وقد وجدت دراسة قُبلت للنشر في المجلة البريطانية للعمل الاجتماعي، أن التعاطف مع الذات مؤشر على صحة نفسية أفضل.

وانطلاقاً من هذه النتائج، حاول أن تتحدث مع نفسك بطريقة إيجابية. وأيضاً، يمكنك أن تضع خطة للعناية الذاتية نفسياً وجسدياً.

وبالتالي فإن الهدف هو أن تظهر اللطف والتفهم لنفسك بدلاً من تدع نفسك تحت سيطرة النقد الذاتي لديك.

الصحة النفسية
العناية بالذات

خامساً. أعطِ الأولوية لليقظة الذهنية

اليقظة الذهنية هي ممارسة التواجد في الحاضر للوصول إلى حالة من الاسترخاء. إذ أشارت مراجعة منهجية نشرت في مجلة “بي إم سي سايكولوجي” إلى أن اليقظة الذهنية المُؤطرة بعلم النفس الإيجابي، يمكن أن تعزز الشعور بالسعادة.

بالتالي، فهي تساعدك على تحسين الوعي الذاتي لديك من خلال التركيز المتعمد على ما يحدث من حولك. كما أن بإمكانها مساعدتك على تبديد الأفكار السلبية التلقائية للوصول إلى حالة ذهنية إيجابية حيث تصبح أكثر يقظة.

من الناحية العملية، هناك العديد من ممارسات اليقظة الذهنية التي يمكنك تجربتها مثل التأمل، وتمارين التنفس، وتدوين اليوميات. فهذه الأنشطة تساعدك بدورها على بناء مهارات اليقظة الذهنية مثل الانتباه، والتركيز، وعدم إصدار الأحكام.

سادساً. مارس التفكير الإيجابي

بشكل عام، يعد التفكير الإيجابي ركناً أساسياً في علم النفس الإيجابي، إذ يتضمن تنمية المشاعر الإيجابية. وفي هذا الإطار، عندما تمارس التفكير الإيجابي فأنت لا تتجاهل أي أفكار أو مشاعر سلبية، بل على العكس، تختار التعامل مع الظروف السلبية بتفاؤل وعقلية إيجابية.

من ناحية أخرى، تشمل فوائد التفكير الإيجابي تحسين إدارة التوتر، فضلاً عن زيادة القدرة على التكيف مع التغيير، وتقليل تقلبات المزاج. أما على صعيد التطبيق العملي، يمكنك تجربة أنشطة مثل استخدام التأكيدات الإيجابية، بالإضافة إلى التعامل بإيجابية مع المواقف التي تخرج عن نطاق راحتك.

سابعاً. العناية الذاتية

في البداية، يمكن أن تساعدك ممارسات العناية الذاتية على التحكم في مستويات التوتر لديك، وبالتالي، تطوير لياقتك العقلية. على سبيل المثال، يمكن لإنشاء مخطط يمثل العناية الذاتية أن يساعدك على فهم أنواع الأنشطة التي تستمتع بها، إلى جانب الأنشطة التي تناسب نمط حياتك.

بالإضافة إلى ذلك، تشمل الخيارات الأخرى تمارين قصيرة مثل عناق شخص ما، إلى جانب ممارسات تستغرق وقتاً أطول. على سبيل المثال، قضاء يوم مخصص للعناية بالصحة في المنزل.

بشكل عام، فإن الهدف من هذه الممارسات هو مساعدتك على تصور كيفية الاسترخاء والتخلص من التوتر المزمن، وهو ما يؤدي في النهاية إلى امتلاك المزيد من الطاقة للتركيز على تحسين صحتك.

ثامناً. اكتب عن تجاربك السابقة

إنّ استحضار المشاعر الإيجابية التي مررت بها في الماضي يساعدك على تقدير تجاربك الإيجابية. إلى جانب ذلك، أظهر بحث نشر في مجلة أبحاث الشخصية، أن الكتابة عن هذه التجارب الإيجابية تحسّن المزاج، وبالتالي، تقلّل من الأمراض حيث تدعم الصحة النفسية بشكل عام.

اقرأ المزيد: التلاعب النفسي

رابعاً: أسئلة شائعة حول علم النفس الإيجابي: كيف تبني عقلية سعيدة؟

1. كيف يمكنني تحسين مزاجي يومياً؟

بشكل عام، يمكنك تحسين مزاجك عن طريق ممارسة الامتنان، والتأمل، وممارسة النشاط البدني

وبالتالي، كلها تترك أثراً إيجابياً على صحتك وحالتك النفسية.

2. ما هو دور العلاقات الاجتماعية في سعادتنا؟

تعزز العلاقات الاجتماعية القوية من مستوى السعادة بالتأكيد. بالإضافة إلى ذلك، فإن التواصل مع الأصدقاء والعائلة يزيد من شعور الانتماء والدعم والأمان.

 3. اذكر ممارسات أو تقنيات خاصة يجب أن أتعلمها؟

أولاً، التأمل الذهني، وثانياً، التقنيات السلوكية المعرفية. إلى جانب استراتيجيات المواجهة الإيجابية.

في الختام، تجدر الإشارة إلى أن بناء عقلية سعيدة يتطلب الالتزام والممارسة. لذلك، ابدأ اليوم وكن ملتزماً بتحسين جودة حياتك.

وبهذا الصدد، نكون قد وصلنا إلى ختام مقالنا عن علم النفس الإيجابي: كيف تبني عقلية سعيدة؟

ونأمل أن تكونوا قد وجدتم المعلومات حيث المتعة والفائدة.