تعرف على الله في الرخاء: شرح الحديث
تعرف على الله في الرخاء وما صدق هذا المعنى في الإسلام، فغالبًا ما يكون المرء المسلم في تقرب إلى الله سبحانه وتعالى. عند الشدائد والأزمات والمِحن والمصائب وما شابه ذلك من ساعات عسر وضيق، وقلما لجأ العبد إلى ربه في وقت الرخاء. سنتعرف على معنى هذا في السُنّة النبوية وأيضًا في القرآن الكريم. بالإضافة إلى شرح معنى الحديث وغيرها من معلومات ذات صلة بموضوعنا.
تعرف على الله في الرخاء

من وصايا رسول الله صل الله عليه وسلم لابن عباس رضي الله عنه وللمسلمين من بعده. قال صل الله عليه وسلم: “تعرف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة”. وهي من المسائل الصحيحة. براوية الترمذي وغيره وصححها عدد من الأئمة وتشير إلى عدة معانٍ هامّة كالآتي:
- إذا أردت أيها العبد المسلم أن يحفظك الله في محنتك وعسرك وكربِك، وأن يدفع عز وجل عنك ما تكره من غم وهم، فتعرّف على الله في الرخاء.
- حيث أن المرء عندما يتقي الله تعالى وهو في كامل صحته ونعم الله عليه. وأن يكون رهن طاعته فيما نهى وأمر، صارت له الدنيا كلها إذا وقع في شدة.
- وإذا كان العبد في عافية وغنى ومال ورفاهية واستقرار في حياته بشكل عام، فهذا رخاء يستوجب الحمد لله والشكر له. على ما أعطاك بأن تتقرّب أنت إليه بالعبادات وكثرة الدعاء وتلاوة القرآن والذِكر. والأعمال الصالحة لقوله تعالى: “لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ ۖ”.
- كما يوضح المعنى أن لا تكن عبد سوء لا يستغيث بالله ولا يستعين به إلا في وقت الحاجة أو الضر والتعب دعا ربه منيبًا إليه. ثم إذا خوله نعمة منه نسى ما كان يدعو إليه الله من قبل.
الدعاء في الرخاء والشدة
نكمل حديثنا عن تعرف على الله في الرخاء ونؤكد على أن الدعاء مطلوب في كل وقت وكل حال. يكون فيه المرء سواء كان في محنة وهم أو في صحة وعافية وسعادة. فالدعاء مطلوب ويعد عبادة تستوجب الحرص على اتباعها، لنوضح ذلك:
يقول الله في محكم آياته: “هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّىٰ إِذَا كُنتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِم بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِن كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنجَيْتَنَا مِنْ هَٰذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (22) فَلَمَّا أَنجَاهُمْ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ” (يونس:22، 23).
توضح هذه الآية الكريمة أن ذكر الله مطلوب في الرخاء والشدة مع التيقّن بالإجابة. ولكن أن تكون ذاكرًا لله في سرّائك. شاكرًا لأنعمه، عاملًا بمرضاته، قائمًا بحقه، سائرًا على طريقه الذي رسمه لك. فهذا يؤكد على صدق عبوديتك لله وحسن طاعته في الرخاء قبل الشدة.
لكن الذين لا يعرفون الله إلا عند الشدائد وينسونه حال النعمة والعافية فقد نعى الله عليهم، وذمهم كثيرًا في كتابه العزيز. في قوله تعالى: “وَإِذَا مَسَّ الْإِنسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيبًا إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِّنْهُ نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ مِن قَبْلُ وَجَعَلَ لِلَّهِ أَندَادًا لِّيُضِلَّ عَن سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ”. (الزمر:8).
تعرف على الله في الرخاء يعرفك في الشدة صيد الفوائد
قال سبحانه: “وَإِذَا مَسَّ الْإِنسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنبِهِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَن لَّمْ يَدْعُنَا إِلَىٰ ضُرٍّ مَّسَّهُ كَذَٰلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ” (يونس:12).
وقال جل في علاه: “وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَىٰ بِجَانِبِهِ وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعَاءٍ عَرِيضٍ” (فصلت:51).
توضح هذه الآيات ما يعيشه أكثرنا، فطالما كان المرء في عافية ظل غافلًا وبعيدًا عن ذِكر الله وعن عبادته وطاعته ومٌعرضٌ عن دعائه.
وإذا حلّت به مصيبة، أو وقع في كرب أو أصابه مرض أو ابتلاء رفع كفيه بالدعاء، ولهج لسانه بالسؤال والشكوى.
لا مانع ولا شيء في هذا، لأن حتمًا الله مجيب الدعاء، ولكنه عز وجل يستجيب في الشدائد. لمن كان يعرفه في الرخاء، لذلك يجب أن تعود نفسك على أن تلجئ إلى الله قبل وقت الاضطرار. وتجعل لنفسك بابًا عند الله وقت السعة يمكنك أن تفتحه في أي وقت وتسحب منه وقت الحاجة والضيق.
شرح حديث تعرف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة
يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: “مَن سرَّه أن يستجيبَ الله له عند الشدائد الكرب. فليكثر الدعاء في الرخاء” رواه الترمذي والحاكم وصححه، وهذا يعني الآتي:
- إذا أراد المرء أن يكون الله في عونه عند الضر والشدة، فعليه أن يكون عبدًا منيبًا إلى الله عند الرخاء والسراء.
- وإذا أراد العبد المسلم أن يعرفه الله في الشدائد، فيجب أن يتعرف عليه في النعماء والرغائب.
- كما أن الدعاء سبب عظيم لانشراح الصدر، وتفريج الهم، ودفع غضب الله سبحانه وتعالى. والدعاء مفزع المظلومين، وملجأ المستضعفين، وأمان الخائفين.
- وقوله صل الله عليه وسلم: “من سره” من السرور وهو انشراح الصدر براحة فيها طمأنينة النفس عاجلاً “أن يستجيب اللّه له عند الشدائد والكرب”. جمع كربة وهي غم يأخذ بالنفس لشدته، “فليكثر الدعاء في الرخاء” أي في حال الصحة والأمن والعافية.
- فكل من يريد النجاة من المحن والشدائد والغموم أن لا يغفل بقلبه ولسانه عن التوجه إلى الله عز وجل. بالحمد والابتهال إليه والثناء عليه، فهذا هو مختصر تعرف إلى الله في الرخاء.
اللجوء إلى الله في الشدة دون الرخاء
إن اللجوء إلى الله سبحانه وتعالى في حال وقوع ضر وغم أكثر من وقوع العبد في الستر والنعم والرخاء. ليس أمرًا سيئًا بل إن الله عز وجل أكد في قوله تعالى: “أَمَّنْ يجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِف السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ” (النمل: 62).
لكن المقصود ب تعرف على الله في الرخاء هو ألا تعرفه فقط في الشدة، فقد ذمّ الله قومًا من القاسية قلوبهم. في قوله تعالى: “وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهمْ بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهمْ يَتَضَرَّعُونَ * فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهمْ بَأْسنَا تَضَرَّعوا وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ” (الأنعام: 42- 43).
وفي هذه الآية إشارة إلى الذين يتقربون إلى الله في أوقات شفتهم وينسونه في الرخاء. مما يؤكد على وجوب اللجوء إلى الله قبل وقت الاضطرار والحاجة وأن يكون المرء عبدًا شاكرًا لله. على ما فيه من حال سِترٍ وعافية ونعماء قبل أن يصيبه سهم الكرب والضر.
وأفضل الأحوال أن يتقرب العبد إلى ربه في حال الشدة تقربه إليه في حال الرخاء. وأن لا يتغير بتغير الأحوال كما في قول ابن رجب رحمه الله: “مَنْ عَامَلَ اللَّهَ بِالتَّقْوَى وَالطَّاعَةِ فِي حَالِ رَخَائِهِ، عَامَلَهُ اللَّهُ بِاللُّطْفِ وَالْإِعَانَةِ فِي حَالِ شِدَّتِهِ”. من “جامع العلوم والحكم” (1/ 474).
ما هو الدعاء في الرخاء؟
اللهم يا قريب يا مجيب، اجعلنا ممن استجاب وأناب، ففاز بعفوك ورضاك.
ما معنى كلمة الرخاء في القرآن؟
الرخاء الّلينة.
ما معنى الدعاء في الرخاء؟
المقصود الدعاء في حالة الصحة والفراغ.


